السيد علي عاشور
158
موسوعة أهل البيت ( ع )
بين بهلول وأبي حنيفة روي أنّ بهلول وقت جنونه مرّ يوما على باب دار أبي حنيفة فوقف عند الباب ساعة فسمع أبا حنيفة يحدّث أصحابه ويقول : إنّ جعفر بن محمّد الصّادق يقول : إنّ الله لا يمكن رؤيته ومحال عليه الرؤية ، وأيضا إنّ العبد فاعل مختار يفعل فعله بالاختيار ، ويقول : إنّ الشّيطان يعذّب بالنار وهذه الأقوال الثّلاثة غير معقولة عندي . أمّا الأوّل : فلأنّ الله تعالى موجود وكلّ موجود يمكن رؤيته ، والثّاني إنّ العبد لا اختيار له ، والثالث إنّ الشّيطان خلق من النّار فلا يعذّب إذ النّار لا يعذّب بعضها بعضا . فلمّا سمع البهلول ذلك الكلام إغتاظ وأخذ مدرا من الأرض فضرب أبا حنيفة فأصاب رأسه وأوجعه ومضى يعدو ، فتلاحقه أصحاب أبي حنيفة وجاؤوا به إليه ولأجل قرابته من المنصور الخليفة لم يقدروا أن يصلوا إليه بشي من الضرب . قال أبو حنيفة : إذهبوا به إلى الخليفة وأخبروه بما فعل ، فلما أخبر المنصور بالقصّة عاتبه وقال له : لم فعلت ذلك وطلب أبا حنيفة يعتذر إليه بحضرة البهلول ، فطلب البهلول الرخصة منه في التّكلم مع أبي حنيفة فأذن له . فقال : يا أبا حنيفة ما أصابك منّي ؟ قال : ضربتني بالمدر فوجع رأسي . فقال البهلول : أرني الوجع حتى أنظر إليه ، فقال أبو حنيفة : يا مجنون الوجع كيف يرى ؟ وكيف يمكن أن تنظر إليه ؟ فقال بهلول : يا معلون الوجع موجود أم لا ؟ قال : بل موجود ، قال بهلول : إنّك ادّعيت أنّ الله يرى لأنّه موجود والوجع أيضا موجود فلم لا يرى ؟ فلمّا سمع أبو حنيفة ذلك أطرق رأسه وأفحم . ثمّ قال : يا أبا حنيفة ينبغي أن لا يوجع المدر رأسك لأنّك خلقت من التّراب وهو تراب ، ثمّ قال : يا أبا حنيفة العبد لا فعل له ولا اختيار حسب ما زعمت فلأيّ شي تؤاخذني بما صدر منّي ولا قدرة لي عليه ؟ فلما سمع الخليفة أقواله استحسن مقاله ورخّصه في الانصراف بغير عتاب « 1 » . * * *
--> ( 1 ) مواقف الشيعة : 2 / 294 ، وروضة المؤمنين : 6 .